الريف في الشعر العربي الحديث
 
  نبيلة الرزاز
 
"من الواضح أن طبقة الفلاحین فی البلاد المستعمرة، هی الطبقة الثوریة الوحیدة، أن هذه الطبقة، لا تخشى أن تخسر بالثورة شیئاً، بل تطمع أن تكسب بالثورة كل شیء، والفلاح المنبوذ الجائع، هو الإنسان المستغل الذی یكتشف قبل غیره أن العنف وحده، هو الوسیلة المجدیة".

فرانز فانون

فقد توقع الكثیرون أن یكون وقود الثورة الذی یتأجج، من هؤلاء الفلاحین، الذین لم یمتلكوا یوماً أرضاً ثابتة تحت أقدامهم، یقیمون فیها مطمئنین إلى مستقبل أبنائهم، بل هم دوماً مشردون، یشقق أیدیهم المعول، ویمد الشقاء على وجوههم أخادید عمیقة، وینضب أدیم وجوههم وهم یعملون فی الأرض ولا یمتلكونها بعد كل هذا، ویظل الخوف یطاردهم، إذ قد یستغنی عنهم الإقطاعی، أو المستوطن مالك الأرض، فیطوفون من جدید، باحثین عن لقمة العیش.

مثل هذا الإنسان، هو أحق الناس بالثورة، وأقدرهم علیها، وأجرؤهم فیها، فإن لم یكن فیها رابحاً، فإنه لن یكون كذلك خاسراً لشیء، فلا شیء لدیه یخسره.

لیس له من الحیاة إلا الشقاء والكد، لیلقى أجره علیهما جوعاً وعریاً، وذلاً ومهانة یلقاهما من الاستعمار وأعوانه من الإقطاعیین، كل هذا إلى ما فی نفوس الفلاحین من شهامة ومروءة وطیب یعیش فی ظل البیئة التقلیدیة التی تظل سلیمة البنیان، كل هذا هو الذی یجعل النار فی نفوسهم، حتى إذا مستها نسمة هواء، امتد لهیبها فأحرق.

وما زلنا نذكر كیف أن بطش الاستعمار كان ینزل بالفلاحین خاصة، فقریة دنشوای فی مصر لم یزل یذكر المجاهدون حتى الیوم ضحایاها الذین كانوا شرارة أولى من شرارات الثورة التی ظلت تعتمل فی النفوس حتى انفجرت أخیراً قویة عارمة سنة 1919. وأما الثورة العربیة فی سوریة التی اندلعت سنة 1925 فلم تكن انطلاقتها إلا من القرى التی امتدت منها بعد ذلك إلى المدن، وتألقت بطولات الفلاحین حینذاك لتظل بعد ذلك ماثلة فی أذهان الشعب، وأبناء الریف منهم بخاصة، وارتسمت أسماء رجال الثورة وبطولاتهم فی مخیلات أطفال القرى الذین عاصروا هذه الثورة وهم فی الثانیة عشرة أو الثالثة عشرة من أعمارهم. واختلفت الأحلام التی تداعب أخیلة الصغار فی القرى، فلم تكن تلك الأحلام الناعمة الرخیة، أحلام المستقبل الهانئ والرغد والرفاهیة، بل أصبحت الأحلام الحافلة بمغامرات الثورة، فهم یقلدون فی ألعابهم هذا أو ذاك من المقاتلین الذین تروى حكایاتهم على ألسنة آبائهم، وتردد أنغاماً ودندنات على شفاه الأمهات.

وكذلك الجزائر فإن الاستجابة الكاملة للثورة فیها كانت فی جماهیر الریف، الذین عاشوا حیاة الشظف والبؤس فی أرض جزائریة یمتلكها مستوطنون فرنسیون فأدركوا أن قضیتهم هی قضیة استرداد الأراضی من المستعمرین، هی كفاح وطنی لن یكون إلا بثورة مسلحة، وقد وجد قادة الثورة فی أبناء الریف الجزائری، الذین عاشوا حیاة جامدة ساكنة، حفاظاً على قیم أخلاقیة لم تصل إلیها ید التخریب الاستعماری، ووسائل التمزیق، واكتشفوا فیهم شعباً كریماً سخیاً مستعداً للتضحیة، راغباً فی العطاء، رفیع الشمم والإباء، ینتظر الفرصة السانحة حتى یقدم كل ما یستطیع فی سبیل هدف یطمح إلى تحقیقه، هدف تحریر الأرض، وبالتالی تحریر النفوس من الذل والمهانة، والسعی للعیش على أنهم بشر فی هذا الكون.

وهكذا كان اللقاء بین قادة الثورة وأبناء الریف سبیلاً لتفجر ثوری عظیم استمر ما یجاوز السنوات السبع وقدم من الضحایا ما ینوف على الملیون. وعجزت المصفحات والطائرات عن الوقوف أمام ذلك الزحف الشعبی المقدس.

واستطاع القرویون وأبناء الریف فی كثیر من البلاد المتخلفة بانتفاضاتهم، أن یؤكدوا أن أمتهم لم تمت، ولن تموت، فإنها وإن عاشت سنین وسنین تحت نیر المستعمر تعانی جوره وتكابد من آثار التخلف التی تركها فی الشعب، فإنها لا زالت تحمل فی ضمائرها –على صمتها- جذوة الرغبة فی الحیاة الكریمة، وشعلة الثورة، إن هؤلاء الفلاحین، لم یكفوا فی أثناء سنوات الصمت، عن الثبات على طراز من الحیاة، فیه حفاظ على العادات والتقالید، لأنهم أحسوا أن فی هذا النمط من الحیاة عداء للمستعمر، لقد حافظ أبناء الریف باستمرار على ذاتیتهم، إن أنفة الفلاح، وإحجامه عن النزول إلى المدن، واشمئزازه من مقاربة العالم الذی بناه الأجنبی، جعله یدرك دوماً أن یوم الخلاص من هذا الأجنبی لا بد آت، وأنه لن یتمتع بالحیاة حقاً، إلا حین یخرج المستعمر من أرضه.

فمن هم هؤلاء الذین یقاتلون فی الفیتنام. إنهم زارعو الذرة والرز، أصحاب الحق فی الأرض: "ما كانوا جنوداً هؤلاء الذین أشعلوا نار الحرب ضد الاحتلال، وإنما كانوا قرویین بسطاء، ومن أجل حبهم لأرض آبائهم تطوعوا للقتال، إنهم لم ینتظروا حتى یتم تدریبهم، واكتسبوا مهارات ثمانی عشرة موقعة... واخترقوا البوابات، واقتحموا مواقع العدو مخاطرین بحیاتهم"[1].

فابن الأرض الذی عاش مع التراب والزرع، وجعل من المعول صدیقاً له، لا بد أن یُشد إلى هذه الأرض برباط قوی متین، فیعصر الألم قلبه إذ یرى خیرها الوفیر بین أیدی المستهترین الذین لا یقیمون لهذا الخیر وزناً، وأما هو ورفاقه من منتجی النبت والزرع، فلا یعرفون إلا الجوع والفقر والاستكانة للمستغلین.

ویغمر الأسى نفسه إذ یرى الأرض التی ناضل من أجل أن تكون له تحرق وتدمر من قبل المستعمرین. لهذا نرى الفلاح فی هذه البلاد المتخلفة جریئاً على الوقوف صامداً فی وجه الطغاة متحدیاً، یطلب الحیاة للأرض التی أنبتته، والقریة التی غذته، ویتنقل فی أثناء نضاله ضد المستعمر من مكان إلى آخر حاملاً بین جوانحه صورة قریته، لتكون وقود الثورة فی نفسه:

لقد سافرت فی طول البلاد وعرضها

ذكریات قریتنا الصغیرة تملَّكت عقلی

هناك یرقد نصف قلبی یا حبیبتی[2]

وتنداح دائرة النضال لدى المواطن الفلاح شیئاً فشیئاً وینضم الجهاد إلى الجهاد فیكون نضال أمة بكاملها من أجل الوطن، ثم من أجل الإنسانیة.

وقد أدرك المناضلون الحقیقیون فی البلاد المتخلفة، ما یعانیه الفلاح من جور وظلم، وعرفوا دوره الكامل فی الثورة، فأحبوه وشاركوه النضال، وقاتلوا معه ومن أجله، حتى لقد أوصى الشاعر التركی ناظم حكمت الذی قضى حیاته ثائراً مشرداً أن یدفن بعد موته بین الفلاحین، تقدیراً لجهادهم..

یا رفاقی، إذا لم یكن من نصیبی رؤیة ذلك الیوم

أی إذا مت قبل الخلاص،

فاحملونی إلى الأناضول

وادفنونی بمقبرة فی إحدى القرى

***

ولتنتشر الجرارات والأغانی على طول المقبرة

ومع خیوط الفجر الأولى،

لتفعم رائحة الشباب والبنزین المحترق...

كل الحقول[3]دفنونی بمأدن

 

وللثورة دوماً وجهان، وجه النضال المسلح، ووجه النضال بالكلمة، ویبدو أن الریف كریم دوماً، كریم برجاله الذین یضحون بالروح والجسد یریقون دماءهم فی سبیل الحریة والكرامة، وكریم برجاله الذین یحملون الكلمة كذلك لأخوانهم مشعلاً ینیرون به، فقد أنبت لنا الریف نبتات شعریة غضة وفیرة الخیر، فكان منه هؤلاء الشعراء الذین نذروا أنفسهم للنضال، وتألموا إذا رأوا رفاقهم فی الریف العربی لا یزالون یعیشون فی ظلام الجهل الحالك، یعانون أقسى أنواع الحیاة، لا یعرفون إلا العری والجوع والقهر، فجعلوا كلمتهم السلاح الذی یضربون به العدو المستغل، كما جعلوا منها ذلك البوق الذی یوقظ المستضعفین الغافلین، وقد أدركوا أن الكتاب والعلم هو الذی أحیا فیهم الرغبة فی الثورة، على واقعهم البائس، فلیقولوا إذن كلمتهم الشعریة علَّها تنفذ إلى قلوب إخوانهم من الفلاحین، فتكون كنسمة الهواء التی تصیب ناراً خامدة فتلهبها.

ولتمتد جذور الكلمة نحو قرانا

كی تورق فی قلب قرانا تلك الكلمات

ولیقرأها الرجل الطیب

ولتنضج، ولتصبح رایات

تتقدم خطوات الإنسان

لتقیم على أرض الجنة[4]

فالشاعر عبد المعطی حجازی قائل هذه الأبیات ابن للقریة أحبها، وحمل هذا الحب فی فؤاده، منتقلاً به إلى المدینة، حیث یبحث عن العلم والمعرفة اللذین یساعدانه على الإدراك العمیق لمأساة قریته، بل لمأساة أمته كلها التی تتمثل بهذه القریة.

وفی المدینة صفعتهم متناقضات الحیاة، وقسوتها على أمثالهم من الفقراء، وأحسوا بالغربة بین أناس لا یقیمون وزناً إلا لذوی المال والثراء، فعاشوا فی المدینة مغبونین، یمرون بأعینهم على كل ما یبهر ویبهج، ولا ینالون إلا ما یمسك الرمق، یسكنون البیوت الضیقة المعتمة التی لا تزورها أشعة الشمس یوماً، فی أزقة ودروب مظلمة، ویجوبون شوارع فسیحة ذات أبنیة عالیة متلألئة الأنوار، فتهترئ نعالهم لكثرة ما یطوفون فی هذه الشوارع، وتكل عیونهم لكثرة ما یحددون فیها النظر، ویعودون بعد كل هذا خائبین، لیبیتوا بین جدران أكلتها الرطوبة والعفن.

هؤلاء الشعراء من أبناء القرى، هم الذین أدركوا مأساة الإنسان الحقیقیة فی وطنهم، عانوا أنواع الشظف فی القریة والمدینة، فنذروا أنفسهم للنضال، وصورة قریتهم وحیاتهم الأولى لا تبرح منهم المخیلة، تذهب معهم حیثما توجهوا، لتذكرهم دوماً بإخوانهم فی الشقاء، الذین عایشوهم فی القریة وطعموا معهم ألوان البؤس والشقاء.

ما زلت خادمك المطیع

لكنه علمُ الكتاب

وعصرنا الذهبی، عصر الكادحین

عصر المصانع والحقول

ما زال یغرینی بقتلك أیها القرد الخلیع[5]

لقد عرف شاعر الریف فی قریته، لیالی الحرمان فی الكوخ النائی وخیبة الفلاح، بعد أن كان قد روَّى الحبة بدمائه. إذ یراها تسرق من یده وهو ینظر إلیها بعین مغیظة یائسة، تتمنى لو تظل الحبة بعد كل هذا الجهد دفینة فی التراب، ما دام لن یأكلها. تلك الحیاة التی لم تكن إلا ترقباً للردى، بین أنیاب وحش یعیش فی المدینة، مترفاً بنتاج أناس فی القرى، یقبلون على الموت بصمت وسكینة ورضى غبی، هی التی جعلت شعراء القرى كلما رأوا تناقضات المدینة وثراءها، وإغلاقها الأبواب العریضة فی وجوههم، یثورون وتتفجر غضبتهم، وتعمق المأساة فی نفوسهم، وتتضخم فی أذهانهم صورة أبناء القریة الذین یعیشون على آمال صغیرة مسكینة منهارة، ینهشهم الجوع، وتمر بهم الأیام متواترة متشابهة، یتقبلون كل ما فیها برضى هادئ ساكن.

الشمس والحمرُ الهزیلة والذباب

وحذاء جندی قدیم

یتداول الأیدی، وفلاح یحدق فی الفراغ

***

والحاصدون المتعبون

"زرعوا ولم نأكل

ونزرع صاغرین فیأكلون"[6]

ونما الإشفاق والعطف فی نفوس هؤلاء الشعراء على إخوانهم فی القریة، وأهلیهم الذین یحیون حیاة البساطة والسذاجة والحرمان، ویموتون فلا یلفهم بعد موتهم إلا كفن الفقر، ولا یحملهم إلا النعش القدیم المهترئ، وینصرف عنهم الناس إلى الكدح مسرعین بعد مواراتهم التراب، لتكون ثمرة كدحهم سغباً على سغب.

والشاعر الذی ترك القریة إلى المدینة، فلم یجد إلا الجدران الصلبة القاسیة التی منعت عنه الریف، وحجزته عنه بین الأسوار العالیة، والأزقة الضیقة، أو الشوارع العریضة الصخابة التی تضج بالناس، كان علیه أن یجاهد فی هذه المدینة وأن یكون صاحب مخلب وناب، لیشق فیها طریقه قبل أن تدوسه أقدام المتدافعین المتزاحمین، فإذا ذهب إلى قریته یزورها، لیتمتع بحیاة بین أناس یحبونه ویعرفونه، لقی فیها إخواناً وأهلاً وأحبة یشفق علیهم، ویتألم لهم، فیزداد حزنه، وتتعاظم المأساة أمام ناظریه، فهؤلاء الناس الذین یرید لهم أن یتمردوا، لا یزالون یتحدثون بطیب إذ یجتمعون ساعة الأصیل، أمام الدار، فیستعرضون تجاربهم فی الحیاة، ویعجبون من قسوة القدر، وكیف تنزل حتى بذلك الغنی الذی اعتلى وشید القلاع، وملئت خزائنه بالذهب اللماع، وإذا به بین لیلة وضحاها، یسلِّم روحه مضطراً لعزرائیل. ویصل بهم طیب النوایا إلى أن یروا أبناءهم أو آباءهم یموتون ویدفنون، فیذرفون دمعتین، ولا یحسون بقسوة القدر إذ تصیبهم بموت الأحبة، لأنهم عرفوا لها مظهراً أقوى وأشد إذ تلاحقهم بالقحط والمحل، فیمرون بعام جدب بعد آخر یشغلهم عن موتاهم، ومصائبهم الصغیرة.

ولكن هناك ما ینتشلهم منها هو الحدیث عن البطولة.

لقد غرست الأمهات القرویات فی نفوس أبنائهن إعجاباً عمیقاً بالبطولات القرویة التی ظهرت فی أثناء الاستعمار، فالبطولات التی رددتها الأمهات حكایات لأطفالها ودندنتها نغمات فی آذانهم، أخذت تتضح جوانبها شیئاً بعد شیء مع نمو الأطفال وصارت تعنی فی نفوسهم وهم شباب بعد ذلك قصة النضال والثورة، لذلك رأینا الشعراء أبناء الریف یخلِّدون أولئك البسطاء من الفلاحین الذین دفعهم الظلم للتمرد، فوقفوا موقفاً بطولیاً فردیاً من السلطات، ونالوا محبة القرویین لأنهم وجدوا فیهم رمزاً للثورة وإن لم تكن هذه الموقف الفردیة منظمة واعیة، ولكنها كانت تمرداً على سلطة جائرة، "فشاهین" مثلاً شخصیة یعرفها كل أبناء الجبل فی منطقة اللاذقیة، متمرد على السلطة هارب، ینام على مرأى الدم، ویفیق على خفقات الذعر، مطارد، صهواته البراری، السید یلاحقه والسلطة تطلب رأسه، إنه یمثل التمرد الذی لم یكتشف بعد طریقه السلیم، ولكنه على كل حال بطولة وصمود فی وجه الظلم، أُعجب بها الفلاحون وصار الجیل یرویها حكایات للجیل الآخر، وخلَّدها الشعراء الذین أنبتتهم الجبال لأنهم كانوا ینامون وهم صغار، على نغمات من أمهم تروی حكایات شاهین وأمثاله

فارس یطلع من صدر البراری

حاملاً للریح موالاً عتیقاً

غیَّبته الریح:

"كونی یا ریاح

خیمتی،

مدِّی لی الأفق جناح[7]

وهكذا فإن الشعراء الذین عاشوا فی الریف وأحسوا بما لدى أبنائه من قدرة على القتال والصمود إذا تفجرت فی نفوسهم الرغبة فیه آمنوا أن تمردهم لن ینطلق إلا من القریة، ولكنهم المسؤولون عن بدایة هذا الانطلاق فلن تندلع الثورة ناراً مستعرة ما دام أبناء الریف المثقفون غافلین صامتین.

ففیهم یجب أن تتدفق دماء الحیاة من جدید، وهم الذین علیهم أن یضحوا بدمائهم لتكون شعاعاً یهدی سائر أبناء الریف، ولسانهم هو الذی علیه أن یعلن فی الناس كلهم غضبة الفلاحین الذین عاشوا قروناً على الحرمان والغبن.

وإذا لم یحمل أبناء الریف المتعلمون ما علیهم من تبعات، فكیف للریف أن یصل إلى حیاة حرة كریمة:

هیهات أتولد جیكور

الأمن خضَّة میلادی

هیهات أینبثق النور

ودمائی تظلم فی الوادی

أیسقسق فیها عصفور

ولسانی كومة أعواد[8]

وجیكور هو قریة السیاب التی لم تفارق مخیلته مدى حیاته، فكانت موطن الشقاء كما كانت موئل البهجة، وهی منطلق الثورة الاجتماعیة والسیاسیة، كما أنها رمز للمأساة الإنسانیة، ودافع للتحرر الإنسانی.

مثل هذا الحنین المؤلم إلى الریف یغمر الشاعر صلاح عبد الصبور فیذوب قلبه ألماً إذ یرى الأم تبكی ما أصاب قریتها، ولكنه یتحدث باسم كل قروی أدرك المأساة مصراً على الصمود والمقاومة:

أترى بكیت لأن قریتنا حطام؟

ولأن أیاماً أثیرات تولَّت لن تعود؟

أماه! إنا لن نبید

أماه! قولی للصغار:

أیا صغار...

سنجوس بین بیوتنا الدكناء إن طلع النهار

ونشید ما هدم التتار[9]

فكل ما أصاب الفلاحین، من سغب وعطش، وحرمان وهوان، واغتصاب من قبل المستعمرین وأعوانهم، جعل شعراء القرى یعتقدون أن ریفهم سیكون منطلق الثورة، لا فی بلادهم فقط بل فی كل بلد فی العالم الثالث، لأن طبقة الفلاحین فی هذا العالم هی التی عانت أشد ضربات الاستعمار قسوة، وهی كذلك الطبقة المحرومة والمظلومة حقاً فی هذا العالم النامی.

لذلك جعل قسم كبیر من الشعراء فكرة العودة إلى القریة هدفاً لا یتخلى عنه، العودة لا من أجل الهروب من المدینة، والبحث عن العیش الهادئ المطمئن بل من أجل أن یطلقوا ثورتهم من منطلقها الصحیح، من تلك البیوت الفقیرة التی طالما غُلِّقت أبوابها على غضبة مكبوتة، وألم ینتظر الفرصة السانحة لیتفجر، من البیوت التی لا تطمع یوماً أن تصل إلى حقها فی الحیاة دون تضحیة منها ودماء، لهذا قال سلیمان العیسى:

سنعود لنبدأ ثورتنا

فی كوخ الحطاب المزری[10]

فهو یعرف ماذا یرید من هذه الثورة. أن یكون للفلاح الذی تمزق لهاثاً على قبضة محراثه یشق الأرض، نصیب من الظل الوارف، فهو الذی أطعم الناس جمیعاً وأغناهم، وما كان عمره إلا دمعاً ودماً ضائعاً، یغوص فی لحمه مخلب الظلم الكاسر، ویمضی والمعول بین یدیه اللتین تشقق جلدهما وجف، وهو الغریب فی الحیاة الذی لا أرض له ولا مستقر: ونمضی والفؤوس على كواهلنا من المهد إلى اللحد تكاثر جمعنا فی الشمس، وامتلأت بنا الصحراء أكلُّ الناس فلاحون أغراب، بلا أرض ولا أبناء؟[11]

ولم تكن هناك ثورة فلاحیة ضخمة فی البلاد العربیة، بل ظهرت حركات تمرد بسیطة، واحدة تلو الأخرى، جعلت بعضاً من الحكام یدركون أن الفلاح فی بلادنا مغبون، وأنه ابن الوطن الحقیقی، غیر أن حقه المشروع بالأرض لا یمنح بسهولة، وإنما یؤخذ بالقوة، لقد وزعت الأرض أولاً بالمذیاع فثار الشاعر ولكن حین وزعت الأرض فعلاً على الفلاحین سنة 1959 وأمسك كل فلاح بقرار التملیك، فقد ملأت الفرحة قلب هذا الشاعر، وهو یرى سكان الكوخ تعلو أصواتهم، فلا یخافون ولا یهمسون، والشاب فیهم یحمل معوله منتصراً كمن حملت جبهته الغار، وشعر الجمیع أنهم أصبحوا أصحاب الأرض حقاً، فهم مواطنون الآن، لهم حق الحیاة، لذلك سیكونون فداء للوطن الذی فُكَّ فیه أسرهم:

أرضنا.. نحن هنا سادتها

وانثنى محمود فی إدلالة
   

 

 
   

هذه الدنیا بیمناه قرار

ورمى الصك بكفی هامساً
   

 

 
   

إنه حقل لأطفالی ودار[12]

وهكذا نرى أن القریة كانت لهؤلاء الشعراء الشباب مهماز الثورة، لأنهم فیها نموا وترعرعوا، ولها تألموا، وحملوا بین ضلوعهم من حبها الشیء الكثیر، واعتقدوا أن مهمتهم فی الحیاة، هی أن یوقظوا الإنسان القروی البسیط، لیحمل رایة الحق. لذا فإن واحدهم یرى أن كلمته إن لم تنفذ إلى القریة، ولم تمر علیها عیون الفلاحین، فإنها لن تكون إلا جثة میتة، تسری إلیها العفونة، دون أن تبعث حیاة جدیدة فی الناس.

قلبی الأرض تنبض قمحاً وزهراً وماء نمیراً

قلبی الماء قلبی هو السنبل

وإذا كان الشعراء قد تركوا الریف مرتحلین إلى المدینة، فإنهم لم یتركوه إلا بأجسادهم، أما الأرواح منهم، فظلت مع الریف، مع الأسر التی تشدهم إلیها صلاة متینة، فلم ینسوا یوماً أنهم أبناء ریف:

وأنا ابن ریف

ودَّعت أهلی وانتجعت إلى هنا

لكن قبر أبی بقریتنا هناك یحفُّه الصبَّار

وهناك ما زالت لنا فی الأفق دار[13]

وإذا كان الشعراء قد حملوا معهم إلى المدینة صورة بؤس القریة، ومأساتها العظیمة، فإنهم حملوا كذلك، حنیناً إلى الحیاة فیها، بین أحضان الطبیعة، حیث لا تزاحم بین الناس، ولا تدافع، حیاة هادئة مسترخیة، كل ما فیها حلو فی عینی ابنها، الطریق الملتوی، والأفق عند المغیب، وظلال النخیل، والمئذنة والترعة، وغمغمات الطیر، وعناق الزهر، حتى أصوات البهائم، وهی تختفی فی مدخل القریة، قد تركت فی مسامع بعض هؤلاء الشعراء أنغاماً حبیبة إلى نفوسهم[14].

وهذا السیاب یرى كل ما فی قریته جیكور جمیلاً جمیلاً، فی الصیف والشتاء، فی النور والظلام:

ولكن فی جیكور

للصیف ألواناً كما للشتاء

وتغرب الشمس كأن السماء

حقل یمص الماء

أزهاره السكرى غناء الطیور

ناحلة كالصدى[15]

فإذا أحس الشاعر الریفی بثقل جو المدینة، بدروبها التی تضیق به فی نهایة المطاف، بالجدران الصامتة المیتة فی بیته البارد، ذكر القریة، بأفقها الرحب العریض الحنون، أو ذكر اللیالی المقمرات والسكون، وامتدت جذور الغربة فی نفسه، وتمنى لو یعود إلى القریة، فاراً من ازدحام المدینة الخانق وجوها الصاخب، وأفقها الضیق.

والأفق رحب فی القرى حنون

وناعم وقرمزی یحضن البیوت

وتسبح الأشجار فیه كالهوادج المسافرة

یا لیتنا هناك

نسیر تحت صمته العمیق

ونوره المخضب الرقیق[16]

ابن الریف یبحث عن الهدوء والسكینة فی المدینة فلا یجدهما، یفتش عن الأفق الفسیح فلا یرى إلا الجدران الصلبة العالیة تسجنه بین جنباتها، لهذا فإنه یحلم دوماً بعودة إلى قریته، یبتنی فیها بیتاً بین أحضان الطبیعة، بعیداً عن الصخب والضجیج.

وقد حلم السیاب دوماً ببیت فی القریة صغیر، یبنیه مع من یحب تحت الغصون، بجانب النبع، یضوع فیه العطر، ویتفتح الزهر[17].

ولا یجف الحنین فی نفوس الشعراء أبناء الریف إلى دور القریة، حتى إلى تلك التی عرفوا فیها الجوع والأحزان والأمراض، وشاهدوا فیها الأطفال یموتون، إنها لیست بیوت العطر والزهر ولكنها موطن الحیاة البسیطة الساذجة التی كانوا یحیون، فالسیاب مثلاً یذكر منزل "الأقنان" وهو بعد أن أصبح خرائب تئن فیها الریح وتطل منها عین البوم الدائب النوح، یستعید فی مخیلته الحیاة التی عاشها الناس فی هذا المنزل، سواعد مفتولة، وأغنیات خضراء، وناراً توقد فی لیالی القمر الشتائیة، یدندن حولها القصاص:

"یحكى أن جنیة"... كل هذا یذكره الشاعر بحنین وشوق، ممزوج بالألم والأسى، مما یجعل الشاعر فی آخر قصیدته یدعو بالسقیا لهذا المنزل:

ألا یا منزل الأقنان، سقتك الحیا سحب

تروِّی قبری الظمآن، تلثمه وتنتحب[18]

وللسیاب قصیدة أخرى فی دار جده سماها: "دار جدی"[19] یكفی أن نشیر إلیها حتى لا یطول الحدیث عن هذا الشاعر وقریته جیكور التی نظم فیها شعراً، لو جمع بعضه إلى بعض لكان دیواناً كاملاً، فقد وصفها بجمال طبیعتها وهو لا یزال حدیث العهد بالشعر، وكانت له رمز الجهاد فی فترة نضاله الثوری، كما ذكرها بذوب من الحنین والشوق فی أیام مرضه وبعده عنها.

وربما كانت هذه الصلة المتینة التی ظلت تشد الشاعر الفلاح إلى قریته، هی التی جعلته یجد عند فتاة القریة، ما لا یجده عند فتاة المدینة، فهی الحبیبة التی تمنحه الطمأنینة والراحة، وهی التی یطمع بأن تبنی له العش الصغیر، فیه رغیف الخبز الذی یغنیه عن كل مأكل شهی، ما دام فی عشه اللطیف، تُعنى به زوجة راضیة قنوع، ویطربه ضحك الطفل البریء، الذی یفتح أمام عینیه رحاب الحبور والسعادة[20].

ولذا فإن حجازی یحثه إلى حب كان قد ودعه فی القریة، وهو لا یزال فی مقتبل العمر، یعیش بین أحلام الشعراء الشباب، ولكن بعد أن حملت مركبه الریاح إلى المدینة، یواجه لیلها القاسی بلا حب، ویمضی فی فراغ بارد مهجور غریب، یبحث عن اللقمة، وفی عینیه سؤال یستجدی خیال صدیق، فلا یجد، أخذ ینادی حبیبه الغائب:

ملاكی، طیری الغائب!

تعالی، قد نجوع هنا

ولكنا هنا اثنان

ونعرى فی الشتاء هنا ولكنا هنا اثنان[21]

وتبلغ الفرحة بالشاعر عبد المعطی حجازی ذروتها حین تأتی الحبیبة من الریف، فهی تلك التی تستطیع أن تحتمل معه حیاة الجوع والعری:

حبیبی من الریف جاء

كما جئت یوماً، حبیبی جاء

وألقت بنا الریح فی الشط جوعى عرایا

فأطعمته قطعة من فؤادی[22]

وكذلك البیاتی، فقد ترك القریة إلى المدینة، وظل یحن إلى فتاة القریة فی الفترة الأولى، قبل أن تغرقه حیاة النضال بعبابها، ویتمنى لو یعود إلى الحقل، بأرضه السوداء، والمحراث فیه، بعصافیره وسندیانه..

تراها لم تزل تذكر من
   

 

 
   

عمرها یوماً به كانت وكان

یوم ألقته على الأرض وقد
   

 

 
   

نامت القریة عنا والزمان[23]

وأما السیاب الذی كان أكثر الشعراء تشبثاً بقریته وریفه، فیذكر أنه أحب راعیة للقطیع وهو لا یزال فی أحضان الریف، فلم یبرح خیالها ذهنه إذ عاش فی المدینة حتى حین عرف فتیات المدینة وأحبهن، كان یبحث عن التشابه بینهن وبین بنت الریف، وكأنه لم یعجب بابنة المدینة هذه إلا لأن لها ما یشبه فتاة الریف.

أما كنت ودعت تلك العیون الظلیلات والخصلة النافرة

كأنی ترشفت قبل الغداة سناً هذه النظرة الآسرة

أما كان فی الریف شیء كهذا أما تشبه الربة

الغابرة؟[24]

وترد سلیمان العیسى رسالة من فتاة القریة النائمة فی حضن الجبل، تعاتبه فیها، وتذكر أنها لا تزال تحرس ذكریات شباب ثائر وكفاح ألیم، فتعود به الذكرى إلى أیام حلوة خلت فی القریة.

حلو كالحب عتاب منى

أهلاً بخیالك طفلتنا

یا للذكرى تطوی الزمنا

وتجدد شطرا.. من عمری[25]

ولأن شاعر القریة یعرف أنه یحمل تبعة ضخمة فی مسیرته، فإنه یخشى أحیاناً أن تغریه ابنة المدینة وأن تصرفه عن مسیرته الطویلة فی درب الجهاد، حتى أسرته حین تسلمه إلى المدینة التی تأخذ بألباب الشباب، تخاف أن یغرق فی حب هناك فینسى قریته ویبهره الجمال المدنی بكل ما فیه من زخرف وتصنع، فیكون سوراً فی وجهه یحبسه عن القریة، ویمحو من ذهنه قضیتها، فیضیع بین أصل قد أهمله، ومدینة قد ترفضه وتدعَّه أبوابها. وكأنما كان الآباء یخشون أكثر ما یخشون هذه النتیجة لأولادهم، لذلك تكون الوصیة الملحة للأبناء قبل فراقهم، أن یحفظوا قلوبهم لبنات القریة.

أقول یا أبی عذرا

وقعت فی هوى بنیَّة هنا

وأنت كم حذرتنی من نسوة المدن

لكننی رأیتها كأنها أنا

فقیرة حزینة، مات أبوها یا أبی

وتقرأ الشعرا

أحببتها، لكن طریقها طویل[26]

فشاعر الریف فی المدینة، یبحث عن الصدیق فلا یحظى به، ویشعر بالغربة تأكل فؤاده، ویحتاج إلى إنسانة تصدقه الحب، ولا تتخذه لهواً ولعباً، فیحن إلى بنات الریف، بسذاجتهن وصراحتهن، أو یبحث عمن تشابههن فی المدینة، كی تفهم حزنه، وتشاركه شقاءه، وتسهم معه فی معركة النضال. ولو لها ابن القریة مع فتیات المدینة اللعوبات، فسیظل یحس فی قرارة نفسه، أنه لم یصل إلى شاطئ الاستقرار العاطفی، ویستمر فی لهاثه وراء الحب المخلص، وقد یصفعه صلف بنت المدینة أحیاناً، كما حدث للشاعر محمد الجنیدی، حین لعبت بمحبوبته الدمشقیة أقاویل أولئك الزملاء الذین عابوا علیه قرویته وفقره، ولكن مثل هذه المواقف من الفتیات، هی التی جعلت ابن الریف یزداد تمسكاً بریفه، بل ویحاول أن یعلن للناس كلهم أنه الریفی الذی یفخر بهذا، كما فعل الشاعر محمد جنیدی إذ قال:

أنا یا سمراء ریفیٌّ.. فإن
   

 

 
   

أنكرتْنا الشام حیناً فاسألی

لم یزد یوماً رخیص المنهل
   

 

 
   

لم ندع أقداسنا فی السبل

فقرنا أغلى من التبر.. ففی
   

 

 
   

فقرنا خصب الإباء الأعزل[27]

والفقر لا یشینهم، فهم یعتزون به، ما دام فقراً فیه إباء وترفع، وربما كان صلف أغنیاء المدینة، هو الذی دفع الشعراء القرویین لأن یعتزوا بانتمائهم إلى القریة، فهی نبع الخیر والحب والعطاء، وهی أرض الوحی التی تنبت الشعراء، والبركان الثائر الذی سیسمع هدیره، وتلتمع ناره، حین تثور الكبریاء فی أبنائها.

اطرحوا العبء على بیدرنا
   

 

 
   

كل ما فی الریف حب وعطاء

اغمسوا أحلامكم فی قریتی
   

 

 
   

عندنا الوحی ومنا الأنبیاء

یا نسیم الریف إنی شاعر
   

 

 
   

صاغه من روحه هذا الهواء

من هدیر الریف من إعصاره
   

 

 
   

من لظاه حین تطغى الكبریاء

فالقریة أغنیة تتردد على ألسنة شعراء الریف، بنغمة حزینة تارة، وحالمة أخرى، ومتألمة ثائرة غاضبة مرة ثالثة.

ویرى الكثیرون ممن درسوا هذه الظاهرة لدى الشعراء أنها لیست إلا مظهراً من مظاهر القلق فی المدینة الغریبة الممزقة التی یعیش الشاعر فیها فی الفترة الأولى وحیداً، یبحث عن مثل ذلك المجتمع المتعاطف الذی عرفه فی القریة، فلا یصطدم إلا بالوحدة والانفراد، وتمزق العلاقات الإنسانیة، وقسوتها فی الصداقة والحب وعلاقة العمل، ویعتقدون أن الریف یمثل حیاة یفتقدها الشاعر فی المدینة فلا یجدها، ویذكر الدكتور عز الدین إسماعیل أن "هذا الحنین إلى القریة، یظل ینازع التجربة الحیة فی المدینة بعض الوقت، ولا یتخلص الشاعر منه، إلا بعد عناء كثیر، حین یرسخ فی نفسه، إنه مهما نقم من حیاة المدینة فإنه ما یزال جزءاً منها، ومحباً لها".

ویذكر أیضاً: "إن مما یساعد الشعراء على هذا التحول إدراكهم لحقیقة أنه فی المدینة یتمثل الوجه الحضاری للأمة، وبخاصة الوجه السیاسی"[28].

والحقیقة التی نستطیع أن نخلص إلیها من خلال استعراضنا للشعر العربی الحدیث، وبعض الشعر الغربی، هی أن الحنین إلى الریف إحساس شائع لدى الكثیر من الفنانین، فالحضارة الصناعیة فی الغرب، قد حولت المجتمع الإنسانی إلى آخر آلی، یسلب البشر إنسانیتهم مع الزمن ویحركهم آلات یتضخم إنتاجها الفكری والمادی یوماً فیوماً على حساب العواطف الإنسانیة التی تتضاءل، ویقسو البشر بعضهم على بعض، وتذوب القیم الإنسانیة أمام حرارة المادة، ویعیش الإنسان وحیداً، غریباً أحیاناً حتى بین أفراد أسرته.

ویأكل الناس بعضهم بعضاً كما كان الإنسان المتوحش یفعل، ولكنهم الناس المتحضرون، یبحثون عن طرائق حدیثة لهذا الأكل، ووسائل تبدو فی ظاهرها مهذبة، ولكن الفنان المرهف الشعور، یدرك كل ما فی أعماقها من وحشیة وقسوة، لهذا یتمنى الخلاص من مثل هذا المجتمع الصناعی الآلی، ویحن لعودة إلى عصور الزراعة، حیث حیاة الهدوء والاطمئنان، وحیث العیش البطیء المتأنی الذی لا یعرف ازدحام المدن الصناعیة وصخبها، وتدافع الناس فیها، وتسابقهم إلى المادة، ویتمنى أن یعیش بین أحضان الطبیعة التی تهیِّئ له الاسترخاء والسكینة والعودة إلى نفسه.

وقد نجد خیطاً من التشابه یصل بین شعراء الریف عندنا وشعراء الغرب هؤلاء، الذین یتمنون الهروب إلى الریف، ولكنه خیط لا یطول، وهو یتمثل بتلك الصور الحلوة للقریة، بیوتها التی تضوع عطراً، وظلالها الوارف، ونغمات عصافیرها الراقصة. وینقطع هذا الخیط، لنجد بعد ذلك هوة كبیرة بین شعرائنا الذین ولدهم الریف، فذاقوا فیه مرارة الفقر، وعرفوا معنى العطش والبطون الفارغة، وامتلأت نفوسهم حقداً على أولئك الذین یلتهمون خیرات الریف، وكأنهم الجراد، لا یتركون لأبنائه إلا الحصى والزؤان، وبین شعراء الغرب.

وإذا كان شعراء القریة قد حنوا أحیاناً إلى حیاة سهلة فیها، بین أخوانهم وأحبتهم الذین یعرفون كیف یتضامنون حین تنزل الشدائد بهم، فلأنهم وجدوا تمزقاً بین أبناء المدینة، یزداد كلما كانت أكبر وأضخم، كما أنهم وجدوا سدوداً منیعة، حصینة، ترفع فی وجه ابن الریف الذی یهبط المدینة، ولكنهم إلى جانب هذا الحنین الحالم أحیاناً، كانت تشتد فیهم الرغبة كذلك فی كثیر من الأوقات، فی العودة إلى القریة، لكی یحولوها إلى فوهة بركان، تنطلق منه حمم الثورة، وتحمل فیه رایات النضال، وإذا كان الشاعر الغربی یرید بالهروب إلى الریف. أن یصل إلى خلاص طوباوی للإنسان، فیه عودة إلى الوراء، فإن شاعرنا العربی یبغی خلاصاً واقعیاً عملیاً لكل إخوانه، ینتشلهم فیه من البؤس، بثورة لا یتطلع إلیها الفقیر فی بلادنا العربیة فقط، بل كل فقیر فی أی طرف من أطراف العالم، وبخاصة فی العالم النامی. وهی ثورة لا یلتفت فیها الإنسان إلى الخلف یحن إلیه، بل یتطلع إلى الأمام، عازماً على بناء عالم جدید كل الجدة.

من أجل أن تتفجر الأرض الحزینة بالغضب

وتطل من جوف المآذن أغنیات كاللهب

وتضیء فی لیل القرى، لیل القرى كلماتنا،

ولدت هنا كلماتنا[29]

وإذا كانت القریة قد شغلت شعراء العصر الحدیث الریفیی الأصل، فی سنوات عیشهم الأولى فی المدینة، ثم انصرفوا عنها إلى موضوعات أخرى، فكان ذكر القریة یملأ دواوینهم الأولى كأباریق مهشمة للبیاتی، ومدینة بلا قلب لحجازی.. ثم أخذ ینمحی وتغیب صورة الریف شیئاً فشیئاً فیما تلا من دواوین، فما أظن أن هذا كان نتیجة "لإدراكهم لحقیقة أنه فی المدینة یتمثل الوجه الحضاری للأمة، وبخاصة الوجه السیاسی"[30] بل لأن ابن الریف صدمته المدینة أولاً بمتناقضاتها، وأشعرته أنه القروی الفقیر البسیط، الذی هبط المدینة، وهو لا یحمل معه إلا زاد الفطرة والسذاجة، والآمال العریضة التی لن یتمكن من تحقیقها، ما لم یكن قویاً قادراً على أن یتحدى كل ذوی الثروة والنفوذ وأصحاب الجذور الممتدة فی المدینة منذ زمن بعید.

فبعد أن كان ینوی أن یحرر الریف الذی تلسعه سیاط العذاب الاجتماعی والسیاسی معاً، یرى أن تبعته أكبر من ذلك، وأنها تمتد إلى ما هو أوسع، إلى تحریر الوطن كله، بما فیه من فلاحین وعمال وفقراء وضعفاء، بشتى أنواعهم وأشكالهم، وتتسع دائرة اهتمام الشاعر كلما توغل فی طریق النضال، حتى تشمل العالم الثالث كله، بجمیع من فیه من البؤساء، وتعود فتمتد حتى تضم بؤساء العالم الذی وصل إلى قمة الحضارة، وغرته قوته، فأخذ یقتِّل البشر دون حساب فی الحروب.

وقد یستغرق شاعر الریف فی حیاة المدینة بمباهجها وصخبها ومسراتها ولكن هذا لا یعنی أن الشاعر قد تحول عن قریته، وإنما یعنی أن عمق الإدراك الذی اكتسبه الشاعر فی طریق نضاله، وإطلاعه الدائب، ورغبته الملحة فی تحقیق العدالة الإنسانیة، كل هذا جعله یعی أن الجور كما أصاب ریفه فقد أصاب كذلك أناساً كثیرین فی وطنه الذی یضم الریف والمدن، وعلیهم جمیعاً أن یكونوا كتلة واحدة فی النضال من أجل التحرر.

[1]مقتطف من تأبین متطوعی كان جیوك سنة 1861 لمقاومة الاستعمار الفرنسی للأدیب الفیتنامی "نجوین دنه شیو".

[2]أدب المقاومة فی الفیتنام- ص /85/.

[3]دیوان الناظرون إلى النجوم لناظم حكمت. ترجمة ثابت عزاوی، قصیدة "الوصیة" ص /54/.

[4]دیوان مدینة بلا قلب، قصیدة "میلاد الكلمات" ص /115/.

[5]أباریق مهشمة. قصیدة "مذكرات رجل مجهول" ص /12/.

[6]دیوان أباریق مهشمة: سوق القریة.

[7]دیوان أغان على جدار جلیدی قصیدة: "لوحة الذئب" ص 8-9-10.

[8]دیوان أنشودة المطر- قصیدة تموز جیكور ص 101.

[9]دیوان الناس فی بلادی- قصیدة "هجم التتار" ص 45-46.

[10]دیوان: أعاصیر فی السلاسل، قصیدة: "القریة ومنى".

[11]دیوان: لم یبق إلا الاعتراف، قصیدة: "نغنی فی الطریق".

[12]دیوان: الدم والنجوم الخضر، قصیدة: محمود والقرار.

[13]مدینة بلا قلب، قصیدة "لمن نغنی".

[14]مدینة بلا قلب، قصیدة "كان لی قلب".

[15]شناشیل بنت الجلبی- قصیدة "جیكور وأشجار المدینة" ص /51/.

[16]مدینة بلا قلب –قصیدة إلى اللقاء ص /84/.

[17]دیوان إقبال – قصیدة: "أغنیة الراعی" ص /83/.

[18] دیوان منزل الأقنان: قصیدة: "منزل الأقنان" ص / 88/.

[19]دیوان المعبد الغریق: قصیدة: "دار جدی" ص / 45/.

[20]مدینة بلا قلب، قصیدة: "الأمیرة والفتى الذی یكلم المساء".

[21]مدینة بلا قلب، قصیدة: "كان لی قلب".

[22]مدینة بلا قلب، قصیدة: "حب فی الظلام".

[23] أباریق مهشمة، قصیدة: "أمطار".

[24]دیوان أزهار وأساطیر –قصیدة: أهواء ص /26/.

[25]أعاصیر فی السلاسل- القریة ومنى ص 98-99.

[26]مدینة بلا قلب، قصیدة: رسالة إلى مدینة مجهولة.

[27]دیوان: زارع الزیزفون، قصیدة: "تغانیك بذاك الطلل".

[28]الشعر العربی المعاصر، قضایاه وظواهره الفنیة والمعنویة.

[29]مدینة بلا قلب: "لمن نغنی؟".

[30]الشعر العربی المعاصر، قضایاه وظواهره الفنیة والمعنویة (د. عز الدین إسماعیل).